الجمعة، 22 مايو 2015

مشاهد .

1-

لم أكن اخرج من المنزل كثيراً،
كان من الجميل جداً البقاء معها.
تحت سقف واحد.

بينما كنّا جالسين عند المدفأة،
نحارب البرد معاً.
و نتشارك نفس الوشاح.
نقاتل الملل بالقبلات 
و قصص الطفولة..

سألت:
لم لست كباقي الرجال؟
لم تعد تزور الحانات،
و لا تلعب الورق مع أصدقائك.
لم يعد المقهى رفيقك.
و أظنّك تركت الجلوس على ضفاف النيل منذ مدة.
ما بك؟

 أجبت:
بالنسبة لي..
و كرجل يرى حبيبته.. عالمه الخاص. كونه الكبير. 
محيطه المقدّر له الغرق فيه..
غرفته الضيقة.. التي لا يرتاح في الكتابة الا بها.
كان علي أن اصبح هكذا..

قدومك كان كشيء.. لا يمكن وصفه.
تغيّرت المعايير لديّ، و زالت كل محاولات اندهاشي ببقية البشر.

انت شيء.. لا يمكن مقارنته بشيء.
أعني.. 

*يحرّك يديه على طريقة ستيف جوبز*

غيابك.. كان يطغى على حضور الجميع.
صمتك.. أجمل بكثيير من كلامهم.
و في حديثك.. كانت الحروف تنبعث من حنجرتك متأنّقة، متعطّرة.. مرتدية لون قلبك.
كما لو أنها خرجت لصلاة العيد.

و الجميع.. كانت أحرفهم قبيحة، 
مقززة و نتنة.
تنبعث منها رائحة النكران، و الحكم على البشر
رائحة الغدر،
رائحة التكرار و الملل . 

ابتسمت. 
قبّلتني مجدداً ثم قالت : 
أحبّك. 
فقط لأنك تراني بطريقة مختلفة .
تراني كما لم أرني من قبل!

و في الحقيقة لا أعلم أين كان الفرح يختبيء تحديداً،
لكنّها و عندما تحدّثت.. ابتسم الكلام،
شعر قلبي بالدفء.
و طارت الفراشات من ياقة قميصها..
ثم هربت
عبر المدفأة.


2-

كنت أظن المطر يعني حزن حبيبتي.

أمطرت يومها،
مع ان الخريف لم يحن بعد.
و لم تكن حبيبتي حزينة يومها .. ليبكي العالم.

كنّا يومها على الشرفة، 
نلعب باللوز و العنب..
و نحاول ابتكار الف طريقة يمكن للمرأة بها أن تقبّل زوجها.

توقّفنا عن العد عند الرقم تسعة، بعدها اصبح الامر فوضوياً بعض الشيء.

عموماً،
كعادتها.. كانت الجميلة تملي عليّ قصائدها عصر كل سبت، 
بعد أن أتخذ من حضنها وطناً،
و بعد أن أراني كما انا عليه حقاً.. في عينيها.
بعد أن اشعر بي.. بلقبها.

و قبل أن نهيم معاً،
في بحور الشعر.. و النقاشات الطويلة.
أيهما أفضل؟
زمانان أم بوكوفسكي؟
و قبل أن ينتهي النقاش 
بقبلة منك، تغيّرين بها رأيي.
مردداً.. بالطبع بوكوفسكي .


بدأت السماء بذرف دمعاتها الأولى.. 
عندها علمت أن العالم كائن معقّد مثلي،
قد يحزن و هو سعيد.
و قد يبكي من شدّة الفرح..
و ربما شيءٌ ما آخر كان يضايقه..

سألت سؤالاً شاعرياً :
- بصفتها كاتبة - 
ما الذي برأيك قد يدفع العالم للبكاء؟

أجبت:
لا أجد له سبباً سوى حزنك.
هل أنت حزينة؟

قالت: لا،
لكن
ما الذي قد يدفع العالم للبكاء؟

أجبت،
ربما بكى على قبلة لم تكتمل..
على نصّ مبتور..
على قصيدة  لن تَرى الضوء أبداً،

ربما بكى على رجل مات يافعاً و له صغار يطعمهم،
بكى للأطفال، 
بكى لكي تزهر الأرض ولا يجوعوا.

و ربما بكى.. لأن احدهم في مكان ما.. مات. 
فقط لأنه قال كلمة..
كلمة، تلقّى جزاء كل حرف قاله منها
رصاصة.

و أظنّه بكى.. على رجل كان مثلي،
لكنه فوّت فرصة أن يحب امرأة مثلك.


3-


قالت:
انت من طلبت الرحيل..
و انت من جاء حاملاً حقائب سفره معه.
كان حديثك يومها باهتاً على غير العادة.
و كان حضورك ممهّداً لغيابك.
أتيت بحديث مودّع .. خطّط للسفر منذ مدة.

أتوقّعت أن أدعك ترحل بهذه السهولة؟
أتظنّك هيناً لهذه الدرجة؟

ألم تعلم أني و في غيابك، سأختنق،
سأشتعل،
سأحترق،
و سأصيرُ رماداً 
تحرّكه رياح الحنين كيف تشاء.

في غيابك
سأنمحي، سأتلاشى.. 
و لن يبق مني سوى بقاياي 
تلك التي لا زالت عالقة بداخلك..

لم يكن عليّ أن أدعك تذهب..
كان عليّ أن أمسك بيدك..
و أقول..
لا داعي للغربة،
أعدك بأني سأكون لك وطناً.

لا داعي للتوّقف،
أعدك بأني سأكون لك أملاً في الوصول.
سأكون لك طريقاً و خطوة.

و إذا فرحت.. سأكون سبب فرحك،
سأكون ابتسامتك، و ضحكتك الطويلة.

سأكون شتائمك ساعة غضبك،
و حججك الواهية لحظة اعتذارك.

سأكون حديثك المعسول لحبيبتك،
و سأصير كعبارة عميقة ما.. التصقت برأسك.


المهم أن لا ترحل،
لا تذهب.
أرجوك.. لا تفعل.

رحل الجميع.. انتهى كل شيء.

خيّم ذات يوم سكونٌ رهيب.. 
هبّ نسيمٌ من الشمال،
يجرُّ الغيم نحو الصحراء..

غيمة.. غيمة.

و بينما كنّا على الأرض
مستويين
نُقاتل الملل .. 
و نمارس لعبة الموت
بلا كلل.

أظلّتنا غيمة.

كانت الغيمة
تحمل أنباء من الشمال
تخبرنا عن الوطن..

بها وصايا الأمهات للأبناء
بين شوق و قلق .
حديثُ الآباء
فخرٌ و شرف.
رسائل الحبيبات الحانيات،
إنتظار و صبر.
و نكات الأصدقاء..
 الوقحة.

اتت الغيمة
لتخبرنا
عن الغياب،
عن عبق رحيلنا في الأمكنة

عن بقايانا.. 
تلك التي لا زالت على :
كرسيّ المشرب
طاولة المقهى
أرصفة الشوارع
بين الأزقة
و في أفواه المرهقين
المتعبين
السكارى
الحائرين
على هيئة عبارات،
كلمات.. و وزن.

و أنت..
متكيءٌ هُناك..
تغزِلُ بعقلك،
نسيجاً يضمّك..
أنت.. 
و آلاف الشتائم
مئات السجائر
عشرات الكؤوس
و سرٌّ وحيد.

مؤكد
أنك ستموت به.

قالت الغيمة:
أيُّها الوغد.. لن تموت.
ستعود من الحرب..
يوماً ماً..
و يؤسفني جداً أن تعود..

لم افهم ما كانت تقصده يومها.

لكنّي اليوم عدتُ يا غيمة 
عدت و لم أجد أحداً،

قال الجيرانُ أن الغادر قصف داري.
رحل الجميع.

رحلت أمي..
و هي التي لطالما تدرّبت،
على أطول "زغرودة"
كانت ستصدح في حنجرة امرأة!
"عند عودتي" .

رحل أبي..
و هو الذي لطالما أخرج بذلته العسكرية
كل يوم صباحاً
و قام بكيّها..

كان أبي 
يحرق كمّ البذلة متعمّداً كل يوم،
معللاً لنفسه 
غيابه عن العمل اليوم ذاك اليوم.

ابي المتقاعد منذ 20 عاماً.

رحلت حبيبتي..
و هي التي لطالما كانت تمازحني،
تقول
مقدرٌ ليك أن تهيم في الأقاصي.
انت يا حبيبي..
كنهرٍ شحيح.
أو كفتىً في البادية
أحبّ فتاة ما
حدّ الجنون.
ثمّ تزوجها ابن عمّها .

و صدقت.

رحل الجميع،
انتهى كل شي! 

النهر.

النهر.. شابٌ
قضى حياته يجري.. هارباً
نحو الأقاصي،
يبحث عن نفسه
يتمنّى
لو يدور العالم حقاً
و يعود به.. 
نحو البحيرة
يتمنّى 
لو يدور العالم حقّاً
و يجمعه مجدداً..  
بأمّـه

النهر.. 
سئِم الجريان!
بتر أقدامه، و توقّف.. 
بعدما تيقّن.. 
أنه لن يجد أمّه!
و أن الكهل. لن يعود طفلاً
مهما فعل.

هرِم النهرُ 
كبُر..
صار مُحيطاً.. و مات
مات النهرُ الصافي.. 
مختنقاً 
بالملح و الحنين..

مات مستلقياً على ظهره
كمسافرٍ مُتعب 
قرر أن يأخذ قيلولة.. فوق سرير العالم
و لم يستيقظ!

الخميس، 2 أبريل 2015

رحل أبي.

رحل أبي منذ 30 عام.. قال.

اوه! هذا مؤسف.
هل توفّي؟ .. سألت.

ضحك،، ضحك بهستيرية.. 
و كنت أنا أنظر اليه بتعجّب، تعلو وجهي ابتسامة امتعاض، 
أتسآئل.. ما بال هذا الأحمق؟

تمالك نفسه، صمت قليلاً ثم قال:

الأمر ليس بذلك التعقيد، مع اني لا اجد في الموت أمراً معقداً. لكن،، عندما كنت في العاشرة، كنت أظن ان أبي لا يعلم بوجودي أصلاً. أبي رجلٌ جاف. أحد أولئك الذين لا يُظهرون اللين و الحب أبداً، دوماً.. يصرُخ، يتذمّر من كسلي، و دائماً ما يعاتبني على قلة اهتمامي.. مع انني و في احيان كثيرة، كنت اظنه لا يعرف اسمي.
لقد كان ابي يستعين بمفردات بذئية  ليُناديني.. أوتعلم؟ لم ينطق اسمي قط.

و يوماً ما، كنت في غرفتي استعد للنوم. تسلل ابي نحوي. و طلب مني إيقاظه في الخامسة صباحاً، كنت متحمّساً جداً، لدرجة اني لم استطع النوم يومها. لأنه لم يطلب مني شيء كهذا من قبل، 
ظللت طوال الليل اشاهد عقارب الساعة و هي تقترب من الخامسة.. كانت تسير ببطيء، و كاد النعاس يغلبني في أحيان كثيرة.. إلا اني انتصرت في كل مرة. لأجل ابي.
و عندما حل الوقت. قفزت من السرير.. ركضت نحو غرفته، اقتربت ببطيء.. ايقظته، و بهدوء.
ابي ابي.. !
نظر الي مبتسماً.. شعرت و كأنها أول مرة أراهُ فيها. كان ابي يبدوا جميلاً يومها.
لكن ما الفائدة!
لقد كانت حقائب سفره بالقرب من الباب،
رأيتُها في طريق العودة لغرفتي.
و لم أكُن أتخيّل!
أني سأستيقظ لأجد أبي قد رحل.. للأبد،
و لم.. حتّى.. يودّعني.

الاثنين، 16 مارس 2015

انا كنت أكتب، انت ماذا تفعل؟

-
مرحباً،
أيها العقل السجين، أيتها الموهبة المدفونة، أنا أعني الذين لم يجدوا شيئاً ليفعلوه بعد. الحائرين.. بين الطرق التي وجدوها أمامهم، و الطرق الوعرة التي حاولوا السير فيها بأنفسهم. بين أن تفعل كما يفعل الجميع.. أن تكون نسخة، رجل آلي يأكل.. ينام.. يتزّوج.. ينجب.. ثم ينجرف في تفاصيل الحياة المملة حتى يموت. كأيّ جيفة.
و بين أن تتبع صوتك الداخلي، ذاك الذي كان يخبرك ان تفعل شيئاً ما.. و كنت تفعله انت. مهما بدا ذاك الأمر جنونياً للآخرين. مهما ترائى مستحيل و غير ممكن الحصول.
صوتك الداخلي سيرشدك الى الطريق، ربما لن تجن الكثير من المال، و ربما لن تكون قادراً حتى إعالة نفسك، لكنك على الأقل ستفعل ما تحب لبقية حياتك. و ستشغل مكانك الطبيعي في منظومة الحياة، ستفعل ما خُلقت لأجله، ما خُلقت موهوباً فيه. بالفطرة، ستسد الفراغ المتكوّن لغيابك، و صدّقني.. ستُبدع في مجالك. و ستنتج أنواع، أشكال جديدة، و بالكتابة تحديداً.. ستبتكر نافذة.. و ستُخرج رأسك لتتنفّس قليلاً.. فتتفاجيء برؤية عالم، عالم كبير و جميل، يمكنك فيه أن تُصبح ما تُرِيد.. حاكم دولة؟ ممثل سينمائي؟ عارضة أزياء بسيقان نحيلة؟ حسناً، هل تريد أن تكون بطل حرب؟ لص؟ زنديق؟ 
هل تريد أن تكون رجل دين؟
كان يمكنك أن تصبح لعنة، قُبلة و عناق. 
حسناً، يمكنك أن تصبح فكرة، صورة، لحظة، ذكرى، و حتى عطر!
يمكنك أن تفعل أي شيء..
يمكن أن تبني دولة! دولة كاملة. بأشرافها و عبيدها، لتأتي و تُبيدها في نهاية النص و المشهد.
و يمكنك أن تشُقّ نهراً، فقط لأنك تخيّلت منظر زورق جميل، يحمل حبيبتك نحوك.. 
للزورق شراعٌ كبير.. و يتحرّك وفقاً لرياح أشواقك و نواياك.

و أنت خلف النافذة ضئيلٌ جداً، نحيلٌ و رئتاك مهترئة.
تدّخن و تشتم، تلعن الحظ و القدر و الوقت. و تكتب.. لتبتكر دهشة، و لتصنع أشكالاً جديدة للحياة، تكتب.. لأنك ترى العالم بصورة مختلفة، ربما أجمل. تكتب.. لتوقف الوقت، و لتأخذ لصوت من تحب صور فوتوغرافية.. بالكتابة!
عموماً.. هذا ما اخترته أنا. انا كنت اكتب، 
انت ماذا تفعل؟

الأحد، 15 فبراير 2015

نكتب لنُصبح شتائم في فم العالم..

مثله أنا،
كالأشجار، سأموتُ واقفاً.*
..
للمحتجزين داخل مجتمعاتهم.. للذين يعيشون حياتهم وفقاً لمبادئ و معتقدات لم يكن لهم يد في اعتناقها..
للمتحجّرين.. الذين ستهب عليهم رياح العصر الجديد و تفتّتهم، تحملهم كالغبار.. و تنثرهم. 
للخائفين على أنفسهم من ظنّ الناس و حديثهم.. للذين ظلّوا طوال حياتهم يمشون بجانب الحائط.. للضعفاء جداً.. قليلي الحيلة.
للفارغين جداً.. الفضوليين جداً جداً.. الذين يحاولون أن يراقبوك، يضعون أعينهم عليك، يفسرون أفعالك و أقوالك، و يتحدّثون بلسانك! حتّى لا تدري، أنت لا تدري.. هل "هم" أنت؟! ألست لك وحدك؟
..

أما بعد،،
فما فات.. فات، و ماضينا لم يكن أبداً يمثّلنا. و لا حاضرنا كان يفعل.
مستقبلنا الذي كنا نجري في كف الأيام نحوه، متشوّقين له، ننتظره بكل لهفةٍ و حنين. كنّا نتمنى منه أن يخلع رداء الحزن هذا منه. فقد سئمناه و اعتدنا عليه، تعبنا منه، و صبرنا عليه كثيراً! 
مستقبلنا.. كان يمثلنا. أحلامنا تمثلنا.  تمثلنا أشياء كثيرة،
آمالنا.. خططنا التي كنّا ننوي القيام بها. الصدف و المواعيد. وعودنا التي قطعناها على أنفسنا. الأماكن التي كنّا نود أن نزورها. و الأوقات التي كنّا سنقضيها برفقة من نحب. كلها أشياء تمثلنا. في طريقها نحونا.. و نحن في انتظارها. بكل ما فينا من فراغ و صبر. ننتظر الفرصة التي كان عليها أن تقلب حيواتانا الصغيرة و التافهة هذه رأساً على عقب. الفرصة التي سترتفع بنا الى مستوى أعلى في مكانٍ أفضل. الفرصة التي ستجعل من أحلامنا واقع. نعيشه.


..
في أحلامي.. كان هناك وطن. و امرأة جميلة جداً.. كانت حبيبتي.
و في أحلامي كان هناك طفلة، تحبّ طفلاً. يهرب معها من المدرسة كل يوم. يشاركها أحلامه و العابه. و يبتاع لها بين الحين و الآخر قطعة حلوى.
كان أصغر من أن يخبرها أنه يحبها. و كانت أصغر من أن تفهم. كان يحبّها كأنها أمه. و يحنو عليها بعطف قلبه الصغير النقي ذاك. و كان كل شيء بخير.. حتى مالا نهاية.
في أحلامي. لم يكن على الأشياء الجميلة أن تنتهي. و لم يكن بوسعي تحمّل كل تلك المثالية. ربما لهذا لا أنام كثيراً. لا آكل كثيراً، و لم أعد أتعاطى العقاقير التي وصفها الطبيب، كان ذاك الوغد يكذب علي، و يظنني أبلهاً، يقول الطبيب أنني سأموت إن لم أنم، و أنا كانت تؤلمني أحلامي. و لا أحد هُناك ليفهمني. أخاف أن أُحتجز هُناك. و أخاف أن يُصبح مزاجي متحجّراً لدرجةٍ لا تقبل الرفض أبداً. ففي أحلامي.. كان كل شيء يسير كما نريده. و تلك الخاصية لم تكن تعمل في الواقع المرير هذا.
عموماً،، في أحلامي.. لم يكن واسيني أعرجاً، و لم يكن ديستويفسكي صديقي. أبلهاً، أرعناً، يُطارد النساء. و يضحك مثلي تماماً. 
كنّا نضحك كما كان يضحك موسوليني بعد حرق كل يهودي. تلك الضحكة المقززة، ضحكتنا الطويلة و المتقطّعة. و التي تنُم عن الكثير من الحقد و الشيزوفرينيا. لكن لا بأس، طالما في أحلامي لم يكن ماركيزُ يأتي الى الاجتماعات متأخراً. و يعلّل بأنه استغرق في النوم بعد ابتلاعه لثلاثين قرصاً منوماً. و أن ليلته كانت حزينة و طويلة. كانت كل ليالي ماركيز مشتاقة و باردة. لهذا كان مثلي.. يكتب.
..

نكتب لنُعيد التوازن لهذا العالم المختل. 
نكتب!.. لنُصبح شتائم في فم العالم.
نكتبُ لكي نبقى قليلاً بعد أن ننمحي و نكتبُ لأن أحدهم في أمس الحاجة لما نكتبه.
نكتب.. و نمسح. نمسح و نكتب..
نكتب،
لنضحك في وجه العالم الكئيب هذا،
و لنربّت على كتفه و نشاركه أحزانه بالكتابة.
نكتب.. لنمنح الحياة مقدرتها على التنفّس... و نكتب.
لنعرف أنفسنا، و نكتشف ذواتنا. لنتعمّق بداخلنا..
نحن نكتب لكي نجدنا.
و نكتب.. لأنفسنا، تقديراً لمشاعرنا، و حفظاً لذكرياتنا.
كنّا نكتب. 

الخميس، 15 يناير 2015

شيءٌ ما عجزتُ عن تسميته.

كانت حبيبتي نائمة. و كانت فكرة نومها بالنسبة لي فكرة وديعة و هادئة. فعلى الأقل أنا مطمئن. لا أحد هناك ليُضايقها. ولا هي تشعر بشعور سيّء. هي فقط نائمة. بسلام. بعيداً عن العالم المخيف هذا. و ربما هي تحلُم بك. تراك في نومها. تتخيّلك. و تتحدّث إليك. تعيشُ معك أجمل قصصها. تنهال عليك بالقبلات مرّة. و تختبيء بين أحضانك مرة. تتلوا عليك قصائدها الطويلة. و تبكي بين يديك و تضحك. تبكي حزينة، على أيام مضت. و تضحك فرحاً، على أعوام، و عقود، و قرون ستأتي. ستأتي و أنتما معاً. تقتسمان الفرح و تلعنان الوحدة.
..

و بينما كانت حبيبتي نائمة. في أطهر بقاع العالم. كنت أنا هُنا. جالس على عتبة منزلنا. أُحارب البرد الجاف. و بكامل نصفي أكتب. أكتب.. و أمسح. أكتب كلمات مبعثرة. جمل. و عبارات. أظنّها ستتشكّل يوماً ما لتكوّن شعور. يصفُ لحظة محددة كنت أنا في حاجة لحفظها على شكل جملة تصف شعوري في تلك اللحظة بدقّة. لآتي يوماً و أقرأ. أضحك و أبكي. أستغرب أحياناً. و استنكر على نفسي. أتعجّب.. كم كنت سخيفاً يا أنا. أتسائل.. هل انا حقاً بهذا السوء و القسوة؟ استعرُض حياتي المكونة من لحظات قليلة جميلة. سبق و أن كتبت عنها. فأنا من نوع الأشخاص الذين يحبّون أن "يعيشوا" اللحظة. أكثر من "توثيقها" لتكون ذكرى. ذكرى جميلة قابلة للتذكّر من حين لآخر.
..

على العموم. الكتابة كانت كلعنة. لعنة جميلة جداً. كجلّاد يضرب بسوطه. يجلدك على ظهرك. ينتزع جلدك و لحمك. و أنت متلذّذ. بكل هذه الوحشية و الألم! بالنسبة لشخص لم يشعر بشيء منذ آلف عام أو أكثر.. مجرّد الشعور. الشعور الخالص بالألم سيكون جميلاً جداً. سيكون و كأنه ولد من جديد. كانت الكتابة كذلك. كانت الكتابة بداية كل شيء. كل ما كان عليك فعله هو أن تختار ورقة بيضاء. و تكتب.. عن الماضي. عن الحاضر. عن الحيارى الذين بحاجة لترجمة مشاعرهم. عن السكارى في الحانات. عن الثوّار الذي تعبوا من الهتاف للوطن. كان يجب أن تكتب، عن القهوة و عن حبيبتك. عن الأغاني الشعبية، و عن رداءة الحياة في وطن كهذا. كان يجب أن تكتب، لتُشبع الفراغ الذي بداخلك. و لتُرتب كمية الفوضى الهائلة التي في رأسك. تكتب لتنتزع شكوكك. تكتب لتسمو بفكرة. تكتب لتُمجّد أمرأة. تكتب لتُحيي شعباً و تُخلّد ثقافة. تكتب لأنك هشّ. لأنك مضطرب. تكتب لكي لا تقتُل أحداً. و أحياناً تكتب.. لكي لا تنتحر.
..

أنا. و عن نفسي أتحدَّث. كنت أكتب لأني متفائل، متفائل بغد أفضل. و بحياة جيّدة. و بواقع نعيشه لا نتعايش معه. واقع يحترم الإنسان لكونه إنسان. فقط. أنا متفائل. ليس لكوني على سطح هذا العالم الرأسمالي البشع. و لا لكوني في هذا البلد الظالم واليه و مواليه. و لا لأنني في قاع هذه المدينة الأسمنتية. هُنا حيث لا يسمعُنا أحد. نَحنُ هنا نحتضر يا رفاق. أنا متفائل. لأن الحياة جميلة بالرفقة الجيدة. و بالقليلين الذين يهتمّون لأمرك حقاً. للذين يرونك كما أنت. مهما فعلت. الحياة جميلة بالذين يطلبون وصالك مهما انقطعت. بالذين يبحثون عنك مهما تواريت عنهم. الحياة ممتعة مع الأشخاص الذين يُراعون غرابتك. و تُساورهم نفس شكوكك. الأشخاص الذين يُنصتون الى حديثك. يهمهم رأيك. تعجبهم طريقة تفكيرك. الأشخاص الذين يوجهونك. للحياة. و غيرهم من العامّة. الأشخاص بنفس الإنطباعات. بنفس الأفكار. بنفس السذاجة و الملل التي أصبح غالباً في البشر. و انا شخصٌ لا يعجبه التكرار و يكره الأشياء المتوقّعة مسبقاً. لا يجذبني القطيع. بقدر انجذابي للفرّد الذي قرر أن يتمرّد على الجميع. سواء أكان محقاً في رأيه أو مخطئاً. فقرار الابتعاد في حد ذاته كان يشكّل مشكلة. يستحق من تحمّل تبعاتها احترامي.
..

يُسعدني جداً أني ابتعدت، يسُعدني أكثر أني لم أكن وحيداً. حتى في عُزلتي، كانت هُناك إحداهن - يتعذّر علي ذكر اسمها لأسباب خاصة، مع أنني كنت أحب ان اصرخ بحبي لها في كل مكان - المهم أنها كانت في كل مرة كانت تقول "أحبك". كنت أشعر بها و كأنها أول مرّة. جسمي يرتعش. عيناي تتّسع. أنفاسي تتقطّع. و كأن عاصفة ما ضربت بداخلي. كأن الجليد بدأ ينهمر في الصحراء. كانت الكلمة تخرج من فمها و تنغرس في قلبي كسهم. أُعاني الكثير لإخراجه. قبل أن تقولها مرّة أخرى. محدثة نفس الضرر على قلبي أو أكثر. و أنا أحبُّها جداً. أحبها كضرورة، كالهواء الذي أتنفّسه. أحبّها كرغبة، كرغبتي في أن أكون في الجنة. أحبُّها كفكرة، فكرة الوجود و الخلود و العدم. أحبُّها كشيء غير قابل للنقاش. أحبُّها بكل ذرة حب موجودة على هذا العالم. أحبُّها بكل ما امتلك من رغبة و شعور و إعجاب و فخر و رضا. أحبُّها بشكل يتعدّى الحدود. بشكل لا يوصف. أحبُّها بعدد الدمعات التي ذرفتها. حبيبتي الضعيفة و الهشّة جداً. أحبُّها بعدد المرات التي قررتُ فيها أن اترك الكتابة. و ان أجد شيئاً جديداً. يجذبني. يحتوي شغفي. و يبعث الحياة فيني على شكل دهشة. لكنّي و في كل مرّة كنت أحاول الهرب، كنت أستيقظ في الصباح الباكر، أرتدي قميصي الأزرق المفضّل، و ربطة العنق الحمراء، و أمشّط شعري. في محاولة لأن اكون كالبقية. في محاولة للإندماج. أرتدي الابتسامات الكاذبة في وجهي. و أُصافح.. مع أنني كنت أغضب جداً كلما صافحت شخصاً لا أعرفه، أو دون سبب مقنع. عموماً.. كنت أخرج من عزلتي، الى مكان لم و لن اعتد عليه ابداً. أخرُج.. لأُقابل بشراً حمقى يتحدّثون عن أشياء لا يعلمون ما معناها. أخرُج لأصرُخ في وجه كل من يقابلني او يتحدث معي. في وجه اي شخص يُجادلني. آسف! كُنت حاد الطباع قليلاً فيما يتعلّق بالنقاشات. تعجبني سياسة الإختزال و التحديد. و الإبتعاد عن شخصنة الأمور و نسبتها لشيء معين أو تفسيرها بصورة غير مقصودة. يعجبونني الذين يتحدثّون بأريحية عن الأشياء التي تروقهم و يفضلونها على غيرها، الذين لا يدّعون، و لا يحاولون ان يكونوا الا ما هم عليه. و الأفضل على الإطلاق الغرباء الذين لا تعرفهم و لا يعرفونك. الذين قد تقول لهم كل ما يخطر على بالك. و يقابلوك هم برأي موضوعيّ. يتعدّى حدود دينك و وطنك و انتمائك. رأي انت ملزم به لأنسانيته في المقام الأول. و لأنه يعمل لمصلحة البشرية ثانياً. المثقفين الممتلئة بهم الهوامش في بلادي. المثقفين المنتشرين في المقاهي الشعبية، "بائعات الشاي". المنتشرين في الحانات. الحانات الشعبية ايضاً، "بائعات الأمل". فالحقيقة و مهما كانت لن تكون بين شفتي غنيّ قرأ كتاباً و هو مستلق في سريره الحريري. الحقيقة بين شفتي فقير تعب منه التعب. كان يعمل طوال النهار أعمال شاقة. ليجمع مالاً يشتري به كتاباً يتحدّث عن الثورة. كتاباً كتبه لينين. كتاباً يفتح به أُفقاً. كتاباً لا يستطيع عقله العامل استيعابه الا بعد ثلاث كؤوس أمل، و كأس قهوة. ثم سيجارة..
..

ثم يبدأ بعدها بإخبار أصدقائه السكّيرين عن ديستويفسكي. و كيف انه مجنون. مجنون و وغد و وقح و مهووس بطريقة جميلة جداً. كان هذا "الأحدهم"، "المهمّش"، "السكران"، "صديقي"، جعلته صديقي مع انه مجرّد خيال ابتدعته في رأسي، المهم.. أنه كان يحب روسيا، يعشق فكرة البرد القارس، يتلذذ بالفودكا الروسية و كأنها ماء زمزم. قرأ كثيراً عن الطواغيت في ذاك الجزء البعيد من العالم. و كيف هم قساة و ملاعين. قرأ عن الإشتراكية كفكرة. و كسياسة دولة. فهم كل شيء. كانت روسيا بالنسبة اليه كالحلم. يهلوس بها. و يتحدّث عنها. زارها في اكثر من مناسبة. آخرها عندما استلم علاوة العيد. كان يزورها بالكتب. يراها بأعين الذين رأوها و كتبوا عنها. على أمل أن يكونوا قد وصفوها بدقة. و بالشكل الذي قد يليق بها. و بعظمتها في عينيه. ينتظر المناسبات ليحصل على علاوة يسيرة. يحصل بها على اجمل اجازة و رحلة. رحلة على شكل كتاب.
..